محمد المختار ولد أباه

394

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

ولتوضيح بعض هذه الجوانب سوف نعطي بهذه المناسبة لمحة عما يمكن أن نطلق عليه « نحو الفقهاء » . لقد سبق أن رأينا أن نحاة الكوفة تميزوا بالنزعة إلى شمول المعارف ، وليس غريبا أن يكونوا قراء أو لغويين لما بين هذه العلوم من صلات وثيقة ، ولكنهم كانوا أيضا مشاركين في العلوم الشرعية الأخرى . ولقد كان الكسائي قارئا ، وكان الكسائي قارئا ، وكان الفراء مهتما بالتفسير وروى مثلا عن ثعلب حفظه للحديث ، وربطه للصيغ النحوية بالأحكام الفقهية . وفي القرن الرابع الهجري ، سلك المصريون نفس الطريق ، لأن الثقافة الاسلامية أصبحت وحدة تشمل علوم القراءات والتفسير ، والحديث والفقه والآداب ، وهذا ما لخصه ابن قتيبة في مقدمة الشعر والشعراء ، ولعل المثال الأوضح في هذا هو ابن قتيبة نفسه ، ثم رأينا أن الزجاجي حاول أن يجاوز الجمع بين الفقه والنحو ، ليخرج بينهما عن طريق توحيد المناهج الأصولية . وهي الطريق التي سلكها ابن الأنباري وجددها السيوطي من بعده ، لكن الذي يدعو إلى الانتباه ، هو نشأة ظاهرة متميزة يمكن أن نسميها « بنحو الفقهاء » . إن من الطبيعي أن كل مثقف من علماء الإسلام يهتم بدراسة النحو لفهم الخطاب الشرعي ؛ فالعلماء يحتاجون إلى إحكام إعراب القرآن والحديث ، وأكثر علماء الإسلام درسوا النحو ودرّسوه ؛ وكثير منهم كتب فيه باعتباره آلة للتبصر في العلوم الدينية ؛ وحينما نصل إلى القرن السابع والثامن ، نلاحظ تطورا في هذا الاتجاه أدى إلى بروز ظاهرة « نحو الفقهاء » وهي تحتاج إلى دراسة خاصة ، لم نر فيها عملا متداولا ما عدا ما كتبه محمد حسن عواد في دراسته لكتاب الأسنوي . وليس لنا في نطاق هذا العمل أن نعرض تصورا واضحا عن هذه الظاهرة وإنما نكتفي بالإشارة إلى الملامح التي قد تساعد على معرفة خصائصها